الشيخ محمد رشيد رضا

88

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

رأي والديه ولا هواهما ، وان كان هو عالما وهما جاهلين بمصالحه وبمصالح الأمة والملة ، وهذا الجهل الشائع مما يزيد الآباء والأمهات إغراء بالاستبداد في سياستهم للأولاد فيحسبون ان مقام الوالدية يقتضي بذاته ان يكون رأي الولد وعقله وفهمه دون رأي والديه وعقلهما وفهمهما ، كما يحسب الملوك والامراء المستبدون أنهم أعلى من جميع افراد رعاياهم عقلا وفهما ورأيا أو يحسب هؤلاء وأولئك انه يجب ترجيح رأيهم وان كان افينا ، على رأي أولادهم ورعاياهم وإن كان حكيما إذا طال الأمد على هذا الجهل الفاشي في أمتنا فان الأمم التي تربي أولادها على الاستقلال الشخصي تستعبد من بقي من شعوبنا خارجا عن محيط سلطتها قبل ان ينقضي هذا الجيل يجب ان نفهم ان الاحسان بالوالدين الذي أمرنا به في دين الفطرة هو ان نكون في غاية الأدب مع الوالدين في القول والعمل بحسب العرف حتى يكونا مغبوطين بنا وان نكفيهما امر ما يحتاجان اليه من الأمور المشروعة المعروفة بحسب استطاعتنا ، ولا يدخل في ذلك شيء من سلب حريتنا واستقلالنا في شؤوننا الشخصية والمنزلية ، ولا في اعمالنا لأنفسنا ولملتنا ولدولتنا ، فإذا أراد أحدهما أو كلاهما الاستبداد في تصرفنا فليس من البر ولا من الاحسان شرعا ان نترك ما نرى فيه الخير العام أو الخاص ، أو نعمل ما نرى فيه الضرر العام أو الخاص ، عملا برأيهما واتباعا لهواهما ، من سافر لطلب العلم الذي يرى أنه واجب عليه لتكميل نفسه أو خدمة دينه أو دولته ، أو سافر لأجل عمل نافع له أو لامته ووالداه أو أحدهما غير راض لأنه لا يعرف قيمة ذلك العمل فإنه لا يكون عاقا ولا مسيئا شرعا وعقلا ، هذا ما ينبغي ان يعرفه الوالدون والأولاد : البر والاحسان ، لا يقتضيان سلب الحرية والاستقلال أرأيت لو كانت أمهات سلفنا الا ماجد كأمهاتنا أكانوا فتحوا الممالك ، وفعلوا هاتيك العظائم ؟ كلا بل كانت الاسيفة الرقيقة القلب منهن كتماضر الخنساء رضي اللّه عنها تدفع بنيها الأربعة إلى القتال في سبيل اللّه وترغبهم فيه بعبارات تشجع الجبان ، بل تحرك الجماد ، فقد روى ابن عبد البر عن الزبير بن بكار أنها شهدت